الحمل بعد الخسارة

في الأسابيع التي تلت خسارة أوليفيا، شعرتُ بفراغ كبير وكان ذلك واضحاً للجميع. كان دائماً يسألني جوناثان كيف أشعر وكل ما كنتُ أقوله له هو” أريد استعادة طفلتي”. ولقد استعدتها على ما أظنّ. ولكنّني أدرك تماماً أنَّ استعادتها تعني أنّ طفلي الجديد لن يتمكّن من النمو في داخلي ولا أريد ذلك أيضاً. أحبّ هذا الطفل بقدر ما أحبّ أوليفيا ولا يُمكنني المقارنة بينهما. فحياة كل إنسان ثمينة بحدّ ذاتها.   

قررنا مُحاولة الإنجاب مجدداً عندما أُصبح جاهزة جسدياً. وبعد أن حصلتُ على العلاج الطبي اللازم، استمر الإجهاض لأكثر من ثلاثة أسابيع تقريباً على الرغم من أنّ أوليفيا خرجت في اليوم نفسه. وبعد أسبوعٍ تقريباً، بدأت دورتي الشهرية، وعلى الرغم من أنّني كنتُ منزعجة إذ لم أتمكّن من الحصول سوى على خمسة أيام من دون نزيف، إلّا أنني كنتِ سعيدة أنَّ جسمي بدأ يعود إلى طبيعته بهذه السرعة. فلديّ أصدقاء ما زلن يُعانين من دورات حيض غير منتظمة بعد 6 أشهر من التعرّض لإجهاض ما أدّى إلى زيادة الألم لديهنّ وحرمانهنّ من فرصة المحاولة مجدداً.     

على الرغم من انتظام مدّة أول دورة حيض لديّ إلّا أنّها لم تكن “طبيعية” إذا صحَّ التعبير لذا لم نتأمّل كثيراً أن تأتي نتيجة فحص الحمل إيجابية ولكنني كنتُ سعيدة مرّة جديدة عندما بدأت دورة الحيض التالية بعد 28 يوماً. وبعد ثلاثة أسابيع، وعلى الرغم من أنني كنتُ أعلم أنَّ الأمر سخيفٌ وأنّه من المُبكر جداً أن أعرف ولكنني عندما استيقظتُ من النوم، قررتُ أن أُجريَ فحص حمل بواسطة أحد أجهزة الحمل الرخيصة التي كنتُ أكدّسها في المنزل، ومن ثمَّ قمتُ بتنظيف أسناني وكنتُ مُتأكّدة من أنّني سأرمي فحصاً سلبياً في القمامة بعد ثلاث دقائق. وعندما انتهيتُ، نظرتُ إلى الفحص. وها أنا أرى خطّين، أحدهما باهت أكثر من الآخر ولكن يُمكن رؤيته. ما زال واضحاً. كنتُ حاملاً مرّة جديدة.  

ولكنني أخوض تجربة الحمل هذه المرّة من منظور مختلف. أنا مُتحمّسة وسعيدة لأنني أصبحتُ حاملاً بهذه السرعة وأعشق الحياة التي تنمو في داخلي ولكن يختلف هذا الحمل عن حمل هاري وأوليفيا؛ فهذا حملٌ يأتي بعد خسارة. ولا أعتقد ولو للحظة أنني الوحيدة التي تشعر بهذه الأحاسيس والمخاوف والقلق في الحمل الثالث لها. فعندما تنتهي حالة من كلّ أربع حالات حمل بإجهاض، سيكون هناك الكثير من النساء اللواتي سيختبرن نفس تجربتي وهذا بالضبط السبب الذي جعلني أرغب في التحدّث والكتابة عن هذا الموضوع بهدف جعل دوامة العواطف التي تترافق مع الحمل بعد الخسارة أمراً طبيعياً.     

بالنسبة لي، كانت تجربة الحمل بعد خسارة طفلتي مخيفة. اجتاحتني أمواج من التوتر والخوف. فأكون هادئة ومليئة بالثقة لأيام أو أسابيع حتّى ولكن سرعان ما تختفي هذه الأحاسيس بنفس سرعة تغيّر حركة الأمواج وتحل مكانها مشاعر الخوف. ويتجلّى هذا الخوف لديّ على شكل هوس. فبعد أول فحص حمل أجريته، استمريت في القيام بفحوصات يومياً إلى حين عدم قدوم الدورة الشهرية لديّ. راقبتُ الخط وهو يُصبح داكناً وثابتاً أكثر، وفي كلّ مرّة، كنتُ أشعر بالراحة أكثر. وبعد أسبوع تقريباً، أجريتُ فحص Clearblue Digital للحمل للتأكّد من أنّه انتقل من الأسبوع 1- 2 إلى الأسبوع 2-3. وقمتُ بالأمر نفسه بعد أسبوع وتأكّدتُ من أنّه انتقل إلى ما بعد الأسبوع 3. وكنتُ أدرك تماماً أنَّ ما أقوم به ليس تصرّفاً “طبيعياً” ولكنّه كان يُشعرني بقليل من الطمأنينة ويُنسيني مشاعر القلق لمدّة أطول. ولكن لا يتخطّى هذا الفحص مدّة الثلاثة أسابيع ولا تُوجد أي طريقة لمعرفة ما إذا كانت سترتفع مستويات الهرمونات لديكِ. وفي الواقع، لا حاجة إلى ذلك ولكن القول أسهل من الفعل عندما تكونين قد خسرتِ طفلاً في السابق.   

كذلك، كنتُ أُجري مرّة كل الأسبوع فحوصات حمل رخيصة، إلى أن بلغتُ الأسبوع 9 تقريباً. وأنا أعرف في أعماقي أنّه لا جدوى من ذلك. وعندما خسرتُ أوليفيا ومن ثمَّ أُصبتُ بالعدوى في رحمي، طُلِبَ منّي القيام بفحص الحمل للتأكّد من اختفاء جميع علامات الحمل لديّ. وقد حصلتُ على أكثر خط واضح في كل حياتي في فحص الحمل الذي أجريته بعد أسبوع ونصف من الخضوع لعلاج طبّي لتدبير الإجهاض؛ أي بعد ثلاثة أو أربعة أسابيع تقريباً من موت أوليفيا. لذا في الواقع، لم يكن هناك جدوى من استمراري في إجراء فحوصات الحمل ولكن كان ذلك يُريح ذهني لبضعة أيام.   

بالنسبة لي، لم يكن الحمل بعد خسارة طفلتي منطقياً. أخذنا موعداً خاصاً لإجراء الصورة بالموجات فوق الصوتية لكي يستطيع جوناثان مُرافقتي. شعرتُ بخفقان في قلبي بمُجرّد التفكير أنني سوف أستلقي بمفردي للقيام بالصورة؛ في المرّة الأخيرة التي تواجدتُ فيها بمفردي لإجراء هذه الصورة، رأيتُ طفلتي على الشاشة مستلقية لا تتحرّك وتمَّ إخباري بما كنتُ أعرفه مُسبقاً؛ الطفل الذي رأيته حياً يُرزق وقلبه يخفق قبل بضعة أسابيع فقط هو الآن جثّة هامدة. لم أستطع إزالة تلك الصورة من ذهني في كلّ مرّة أتذكّر فيها صورة الموجات فوق الصوتية؛ وعلى الرغم من الغثيان الذي كنتُ أشعر به والآلام في الثديين وزيادة حجم بطني بشكلٍ سريع، كنتُ متأكّدة من أنَّ الأمر نفسه سيتكرر هذه المرّة ولم أكن لأتحمّل أن أكون بمفردي عندما يحصل ذلك.     

كانت الصورة جيدة جداً كما تعلمون. وها هو، طفلي الثالث، ينبض بسعادة وكان حجمه أكبر مما توقّعنا. كانت أخصائية الموجات فوق الصوتية سعيدة ونحن أيضاً، شعرتُ براحة كبيرة. واستمر هذا الشعور لمدّة أسبوع تقريباً إذ سرعان ما تذكّرتُ أنَّ أوليفيا كانت أيضاً بخير عندما أجرينا الصورة في المرّة السابقة. ولكنّها لم تبقَ كذلك. ربّما كانت ضربات قلب الطفل هذه المرّة بطيئة ولكن فضّلت الأخصائية عدم إخباري بذلك؟ وأنا أدرك تماماً أنَّ ما أفكّر فيه هو إهانة لمهنية الأخصائية وأنّه لا يُمكنها أن تقوم بذلك ولكن نادراً ما تُراعي هذه الأفكار اللاعقلانية مشاعرَ أحدٍ.         

لا أعتقد ولو للحظة أنَّ أي نوع من أنواع الإجهاض هو أصعب من التالي. فأي نوع إجهاض هو مُدمّر وقاسٍ وأعتقد أنّه من الصعب على أي شخص لم يختبر الإجهاض أن يفهم حجم هذه الخسارة. فالأشخاص الذين لم يختبروا الإجهاض يُقيّمون صعوبته حسب مرحلة الحمل التي حدث فيها. وأعتقد أنّه عندما وُلدت طفلتي ميتة، وجدتُ أنّه من المحتمل أن يكون ذلك “أسوأ” من أنواع الإجهاض الأخرى بسبب الحاجة إلى مخاضٍ كامل كما أنَّه من المُفترض أن يكون الطفل حياً في هذه المرحلة، بغضّ النظر عمّا سيحدث؛ إذ يرتفع احتمال موت الجنين في الأسابيع الأولى من الحمل وهو ألمٌ آمل ألا أُضطر، أنا أو أي شخصٍ آخر، إلى اختباره. ولكن في ما يتعلّق بالإجهاض، لا أرى الموضوع بهذه الطريقة؛ إذ لا ينبغي المُقارنة بين الألم في الحالتين. لماذا لا تستحق الأم التي فقدت طفلها في الأسبوع 6 أن نعترف بألمها مثلي تماماً. فلا يستحق ألمي أن “نحزن عليه أكثر” من ألم هؤلاء الأمّهات فقط لمُجرّد أنّني أجريتُ عدداً من الصور بالموجات فوق الصوتية واستطعتُ أن أحمل طفلتي عندما وُلدت. وأفكّر أحياناً أنّني  كنتُ لأتعذّب أكثر إذا لم أتمكّن من حملها بين ذراعيّ. استطعتُ أن أتغلّب على الألم الذي كنتُ أشعر به عندما حملتها بين ذراعيّ لمدّة ساعة وقمتُ بمداعبة جسمها الصغير والتحدّث معها عما يجول في خاطري. فأصعب ما في الإجهاض هو خسارة الأم والأب والعائلة بأكملها لهذا الطفل الذي أحبّوه كثيراً. فهم لم يخسروا جنيناً يبلغ 6 أو 12 أو 15 أسبوعاً؛ بل خسروا الحياة التي كانوا يُخططون لها لطفلهم والمستقبل الذي كانوا يبنونه له وهذا ينطبق على الجميع من دون استثناء.    

ومع ذلك، أتساءل أحياناً، ما إذا كنتُ سأتمكّن من التعامل مع القلق بشكلٍ أفضل في حال تعرّضتُ “لإجهاض تقليدي” عوضاً عن الإجهاض الفائت أو الصامت؟ ففي حال حدث الإجهاض عبر نزيف تلقائي فلا شكّ في أنّني سوف أقلق بشأن هذا الحمل. سوف أتحقّق من وجود دمّ على كل منديل أستخدمه في المرحاض تماماً كما أفعل الآن، ولكن هل سأشعر بالراحة عندما لا أرى دمّ؟ هل ستُشعرني الأعراض القوية التي أعاني منها إضافة إلى الغثيان والألم في الثديين بالراحة؟ لأنَّ كل هذه الأعراض لا تُساعد على الإطلاق. إذ إنَّ عدم وجود دمّ ليس دليلاً على أن الطفل لم يمت. كما أن الغثيان ليس دليلاً على أن الطفل لم يمت. وآلام الثديين ليست دليلاً على أن الطفل لم يمت. فأنا عانيتُ من كل هذه الأعراض في المرّة السابقة. وبقيت هذه الأعراض حتّى بعد أن تُوفّيت طفلتي وحالياً يبدو أنَّ القلق الذي أشعر به يجعلني لا أثق بجسمي لإكمال المهمّة الموكلة إليه.       

الحمل بعد الخسارة هو أمرٌ مُشوّقٌ. الحمل بعد الخسارة هو نعمة. الحمل بعد الخسارة هو أمرٌ مخيفٌ. الحمل بعد الخسارة هو إجراء الكثير من فحوصات الحمل. الحمل بعد الخسارة هو مجموعة من الأفكار اللاعقلانية. الحمل بعد الخسارة هو التقاط صور لبطنكِ بشكلٍ دائم لمُقارنتها مع الصور السابقة للتأكّد من أنّه لا يتقلّص. الحمل بعد الخسارة هو التحقّق من وجود دمّ على المناديل في كل مرّة أدخل فيها المرحاض. الحمل بعد الخسارة هو الشعور بأنَّ الوقت يمر ببطء شديد بين كل صورة تُجرينها.  

والأهمّ من ذلك أنَّ الحمل بعد الخسارة ليس بديلاً عن الطفل الذي خسرناه. فطفلنا الجديد مرغوب به ومحبوب كما هو. وهو لا يحلّ مكان أوليفيا ولا يُلغي الحزن الذي نشعر به على موتها. لا يستطيع أحدٌ تعويض خسارة شخصٍ آخر. ولكن هذا لا يعني أنّنا لا نشعر بسعادة غامرة لاستقبال طفلنا الثالث. أشعر بأحاسيس متضاربة وكما قلتُ سابقاً، لم يكن ليأتي هذا الطفل إلى العالم لو لم نحزن على موت أوليفيا. ولكننا نعرف أنّها لن تعود، وفي هذه المرحلة لم أعد أتمنّى أن تعود بل أتمنّى فقط أن تبقى دائماً في ذاكرتنا. فهي ستبقى دوماً فرداً من العائلة ولن يُغيّر الطفل الجديد ذلك أبداً. أتمنّى فقط أن يبقى هذا الطفل بخير داخل رحمي وينمو بشكلٍ كامل ويُولد حياً بين ذراعيّ. سوف يبقى دائماً طفلنا الثالث هو طفلنا الثالث. وليس الثاني. وسوف يكون لهاري شقيقين صغيرين على الأقل. وسوف تبقى أوليفيا وطفلنا الثالث موجودَين دائماً تماماً كهاري بغضّ النظر عن المدّة التي قد يعيشانها. وقد صَدَقَ الحصان الهزيل في رواية الأرنب المخملي بقوله “بمُجرّد أن تُصبح حقيقياً، لا يُمكنك أن تُصبح غير حقيقي مرّة أخرى، إذ يدوم ذلك للأبد.”       

***

نُشِرَ هذا المقال في البداية في 26 يوليو على مُدوّنة روزي الشخصية ، كلمات لأوليفيا.

عن الكاتبة

تبلغ روزي 28 عاماً وتعيش في أكسفورد مع زوجها وابنهما هاري وكلبهم نايجل. وهي أمّ لثلاثة أولاد، هاري الذي يبلغ الآن ثلاث سنوات وأوليفيا التي فقدتها للأسف في مارس من هذا العام وهي حاملٌ حالياً بطفلها الثالث. روزي حائزة على شهادة في الأدب الإنجليزي والكتابة الإبداعية ولطالما استمتعت بالكتابة. منذ أن فقدت أوليفيا، وجدت روزي أنَّ الكتابة والتحدّث عن الإجهاض ذات تأثير علاجي رائع على امل دعم النساء اللواتي اختبرن هذه التجربة أيضاً.

Follow by Email
Twitter
Visit Us
Follow Me
LinkedIn
Share
  • شارك:
    Share