ما هي مُتلازمة كوشينغ؟

سُمّيت مُتلازمة كوشينغ على اسم جرّاح الأعصاب، السيد هارفي كوشينغ، الذي وصف هذه المُتلازمة للمرّة الأولى في العام 1912. يُعاني مرضى مُتلازمة كوشينغ من كميّة كبيرة من الكورتيزول في أجسامهم. ولكن لحسن الحظّ، تُعتبر هذه المُتلازمة نادرة جداً، ويكون تشخيصها صعباً للغاية، إذ تختلف أنواع الأعراض وشدّتها بشكلٍ كبير بين مريضٍ وآخر.  

ويُعرف الكورتيزول باسم “هرمون التوتر”. تقوم بإنتاجه الغدد الكظرية وهو يُساعد الجسم على الاستجابة للتوتر. كما يُشارك أيضاً في تنظيم مُستويات السكّر في الدمّ وضغط الدمّ ويُساعد على تخفيف الالتهابات ودعم وظيفة الجهاز المناعي.

ما الذي يُسبّب مُتلازمة كوشينغ؟

ثمّة أسباب خارجية (مُتلازمة كوشينغ الخارجية) أو داخلية (مُتلازمة كوشينغ الداخلية) للإصابة بمُتلازمة كوشينغ. ويستند تدبير هذه المُتلازمة بشكلٍ دقيق إلى تحديد السبب الكامن وراء هذا المرض.

وتُصيب مُتلازمة كوشينغ الخارجية الأشخاص الذين يستهلكون الهرمونات القشرية السكّرية (ستيرويدات). وتُعتبر الستيرويدات نسخة اصطناعية من الكورتيزول. ويكون الأشخاص الذين يُعانون من أمراض مُزمنة، تستوجب علاجاً طويل الأمد، أكثر عُرضة للإصابة بهذه المُتلازمة، على سبيل المثال، الربو، والتهاب المفاصل الروماتويدي، والذئبة. كذلك، يُمكن استخدام الستيرويدات لتدبير الألم وقمع الجهاز المناعي بعد عمليّة زرع من أجل تخفيض خطر رفض الجسم للزرع.  

وتحدث مُتلازمة كوشينغ الداخلية عندما يقوم الجسم بإنتاج الكثير من الكورتيزول. ويعود سبب ذلك عادةً إلى ورم في الغدّة النخامية أو الغدّة الكظرية.

ويشمل الهرمون المُوجّه لقشر الكظر (ACTH) المُرتبط بمُتلازمة كوشينغ نحو 80-85% من حالات مُتلازمة كوشينغ الداخلية، ويعود سبب مُعظم هذه الحالات إلى أورام في الغدّة النخامية. وتقع الغدّة النخامية في قاعدة الدماغ. وهي عبارة عن غدة بحجم حبّة البازلاء، مسؤولة عن إفراز الهرمون المُوجّه لقشر الكظر. ويقوم هذا الهرمون بتحفيز الغدد الكظرية، التي تقع إلى جانب الكلى، على إنتاج الكورتيزول. ويُؤدّي وجود كميّة كبيرة من الهرمون المُوجّه لقشر الكظر إلى إنتاج الكثير من هرمون الكورتيزول. وبشكلٍ أدقّ، يُعرف هذا الشكل من أشكال الهرمون المُوجّه لقشر الكظر المُرتبط بمُتلازمة كوشينغ باسم “مرض كوشينغ”.

كذلك، تمَّ تسجيل حالات لأورام خارج الغدّة النخامية تقوم بإنتاج كميات كبيرة من الهرمون المُوجّه لقشر الكظر؛ مما يُسبّب مُتلازمة الهرمون المُوجّه لقشر الكظر المُنتبذ غير أنَه يُمكن أن يترافق مع أورام في الرئة، والبنكرياس، والغدّة الدرقية. وتكون عادةً أورام الغدّة النخامية حميدة، ولكن قد تكون الأورام التي تظهر في مكان آخر من الجسم سرطانية.

ولا ترتبط أورام الغدّة الكظرية بالهرمون المُوجّه لقشر الكظر. ويعود سبب نحو 15-20% من حالات مُتلازمة كوشينغ الداخلية إلى فائضٍ في إنتاج الكورتيزول نتيجة أورام في الغدد الكظرية.

من هم الأكثر عُرضة للإصابة بمُتلازمة كوشينغ؟

تُعتبر مُتلازمة كوشينغ نادرة جداً. وتُشير التقديرات إلى أنَّ مُتلازمة كوشينغ الداخلية تُصيب بين 0.7 و2.4 شخصاً لكلّ مليون نسمة سنوياً. ونادراً ما تُصيب الأطفال وتكون النساء أكثر عُرضة للإصابة بهذه المُتلازمة بنحو ثلاثة أضعاف من الرجال. وتكون مُعظم الحالات عشوائية، إلّا أنَّ عدداً قليلاً من أورام الغدّة النخامية يرتبط بعوامل وراثية. 

ما هي الأعراض الأكثر شيوعاً لمُتلازمة كوشينغ؟

أحد أكبر التحديات في تشخيص مُتلازمة كوشينغ هو أنَّ الأعراض هي غير مُحدّدة ويُمكن أن تختلف بشكلٍ كبير بين مريضٍ وآخر. ونذكر أدناه بعض الأعراض الأكثر شيوعاً:  

  • زيادة الوزن؛ تقتصر عادةً على منطقة الصدر والبطن. وقد تبدو الذراعان والساقان رفيعتين بشكلٍ غير طبيعي مُقارنة بالصدر والبطن.
  •  وجه مُدّور، أحمر اللون ومُنتفخ.
  • “حدبة الظهر” – وهي عبارة عن كتل دهنية مُتركّزة في أسفل الرقبة والكتفين.
  • علامات التمدد (> 1 سم)، خاصةً في البطن، والثديين، والوركين.
  • شعور بضعف في الذراعين والساقين.
  •  فائض في نمو الشعر.
  • سهولة الإصابة بكدمات.
  • تراجع في الرغبة الجنسية ومشاكل في الخصوبة. قد تُعاني النساء من دورات شهرية غير مُنتظمة؛ بينما يُصبح الرجال أكثر عُرضة لضعف الانتصاب (العنانة).
  • اكتئاب وتقلّبات في المزاج.
  •  ارتفاع ضغط الدمّ.

كذلك، تجعل هذه المُتلازمة الشخص أكثر عُرضة للإصابة بمشاكل صحية أخرى، منها:

  • نوبات قلبية وسكتات دماغية.
  • تكوّن كتل مُتخثّرة من الدمّ.
  • التهابات.
  • فقدان العظام والكسور.
  • مُقاومة الأنسولين وداء السكّري من النوع 2.
  • ارتفاع مُستويات الكولسترول.

كيف يتم تشخيص مُتلازمة كوشينغ؟

من الضروري، في بعض الحالات، استبعاد مشاكل صحية أخرى قبل تشخيص المريض بمُتلازمة كوشينغ. وتترافق هذه المُتلازمة لدى النساء مع أعراض شبيهة بأعراض مُتلازمة المبيض المُتعدد الكيسات. وتُعاني عادةً النساء المُصابات بمُتلازمة المبيض المُتعدد الكيسات من دورات شهرية غير مُنتظمة فضلاً عن علامات جسدية على فرط الأندروجينية، بما في ذلك الشعرانيّة وحبّ الشباب. كما أنّهنَّ عُرضة للإصابة بمُقاومة الأنسولين والبدانة، وتُشكّل كلتا هاتين الحالتين خطراً على النساء المُصابات بمُتلازمة كوشينغ.

ومن المشاكل الأخرى التي تجعل تشخيص مُتلازمة كوشينغ صعباً جداً هي حالات “مُتلازمة كوشينغ الدورية”، حيث تختلف مُستويات الكورتيزول، وبالتالي، لا تكون دائماً المُستويات لدى الشخص أعلى من المُعدّل الطبيعي. ولكن، على الرغم من ذلك، قد تظهر بعض الأعراض الجسدية لهذه الحالة لدى الشخص. 

وفي حال اشتبه طبيبكِ بإصابتكِ بمُتلازمة كوشينغ، سوف يتحقّق من مُستويات الكورتيزول لديكِ. ويُمكن قياس الكورتيزول في البول، والدمّ، واللعاب. وسيتم أخذ القياسات على مدى 24 ساعة، إذ تهبط مُستويات الكورتيزول في الليل لدى الأشخاص الذين يتمتّعون بصحّة جيدة. ولا يُعاني المُصابون بمُتلازمة كوشينغ من هذا الانخفاض في المُستويات. وسيتم إعطاء الأشخاص الذين تُشتبه إصابتهم بمُتلازمة كوشينغ جرعة مُنخفضة من ديكساميثازون، وهو نوع من أنواع  الكورتيكوستيرويد. ومن ثمَّ، سيقوم الطبيب بقياس مُستويات الكورتيزول في الدمّ، ومن المُتوقَّع أنَّ تُؤدّي جرعة الستيرويدات المُنخفضة إلى انخفاض مُستويات الكورتيزول الداخلي. وتبقى المُستويات مُرتفعة لدى مرضى مُتلازمة كوشينغ.

وعندما يتم الكشف عن مُستويات الكورتيزول المُرتفعة، سيحتاج طبيبكِ إلى تحديد سبب إصابتكِ بمُتلازمة كوشينغ بهدف وضع خطّة العلاج الأنسب لكِ. وقد تكون عمليّة التشخيص سهلة جداً في حال كنتِ تستهلكين الستيرويدات الطبية منذ فترة طويلة، إذ من الأرجح أن تكون المُتلازمة التي تُعانين منها مُرتبطة مُباشرةً بذلك.

ويكون تشخيص مُتلازمة كوشينغ الداخلية بشكلٍ دقيق أكثر صعوبة. وسيتم استخدام فحوصات الدمّ لتحديد ما إذا كانت المُتلازمة التي تُعانين منها مُرتبطة أو غير مرتبطة بالهرمون المُوجّه لقشر الكظر. وفي حال كانت مُستويات الهرمون المُوجّه لقشر الكظر التي تمَّ قياسها مُنخفضة، يكون على الأرجح سبب الإصابة بهذه المُتلازمة هو وجود ورم في الغدّة الكظرية (لا ترتبط هذه المُتلازمة بالهرمون المُوجّه لقشر الكظر)؛ أمّا في حال كانت هذه المُستويات مُرتفعة، فيكون السبب على الأرجح وجود ورم في الغدّة النخامية (أو مُتلازمة الهرمون المُوجّه لقشر الكظر المُنتبذ). ويُمكن أن تُحدّد الاستجابة لحقنة هرمون مطلق لمُوجّهة القشرة (CRH)، ما إذا كان الورم موجوداً في الغدّة النخامية أو في مكان آخر من الجسم. كما سوف يُؤدّي هرمون مطلق لمُوجّهة القشرة إلى ارتفاع مُستويات الكورتيزول والهرمون المُوجّه لقشر الكظر لدى المُصابين بورمٍ في الغدّة النخامية ولكن، لن ترتفع مُستويات هذه الهرمونات لدى المرضى الذين يُعانون من ورمٍ في مكان آخر من الجسم.

ويتم أحياناً إجراء صور بالموجات فوق الصوتية (تصوير بالرنين المغناطيسي و/أو فحص بالتصوير المقطعي المحوسب) لرؤية وتحديد موقع أي نوع من الأورام. وتتفاوت مُعدّلات نجاح هذه التقنيات استناداً إلى حجم وموقع الورم. وتكون عادةً أورام الغدّة النخامية صغيرة جداً وفي كثير من الأحيان، لا تستطيع تقنيات التصوير الأكثر شيوعاً حول العالم كشفها. كما نجد أيضاً نهجاً بديلاً يتمثّل في أخذ عيّنة من الدمّ من الجيوب الصخرية، وهي الأوردة المسؤولة عن استنزاف الغدّة النخامية. وفي الوقت نفسه، يتم أخذ عيّنة من الدّم من مكان آخر من الجسم. وفي حال كانت مُستويات الهرمون المُوجّه لقشر الكظر في العيّنة التي أُخذت من الجيوب الصخرية مُرتفعة أكثر من العيّنة الأخرى، من المُرجّح أن يكون السبب هو أورام الغدّة النخامية؛ أمّا في حال كانت المُستويات مُتقاربة في العيّنتين، فمن المُرجّح أن يكون السبب هو وجود أورام في مكان آخر من الجسم. 

ما هي خيارات العلاج لمُتلازمة كوشينغ؟

كما ذكرنا أعلاه، يُمكن أن يكون تشخيص مُتلازمة كوشينغ عملية مُعقّدة. وحتّى إذا تمّ التوصّل إلى تشخيص إيجابي، سيقضي طبيبكِ وقتاً طويلاً لفهم خصائص الحالة التي تُعانين منها. وكلّ ذلك بهدف وضع خطّة العلاج الأنسب لكِ وتنفيذها.

وفي حال لم يتم علاجها، قد تُصبح مُتلازمة كوشينغ خطيرة وفتاكة. وبالتالي، من الضروري جداً تحديد النهج الأفضل لتدبير هذه المُتلازمة.

وفي حال كانت المُتلازمة ناتجة عن استخدام الستيرويدات على فترة طويلة، سوف يُساعدكِ طبيبكِ على تخفيف الأدوية التي تتناولينها بشكلٍ تدريجي أو إيقافها كلياً. ومن الضروري جداً أن تتعاوني مع طبيبكِ في هذا الموضوع ولا تحاولي التوقّف عن تناول أدويتكِ من دون استشارته. 

وفي حال كانت المُتلازمة ناتجة عن ورمٍ مُعيّن، تكون العمليّة الجراحية والعلاج الإشعاعي العلاجات الرئيسية لهذه المُتلازمة. وتحظى العمليّة الجراحيّة لعلاج أورام الغدّة النخامية بمُعدّل نجاح مُرتفع جداً، يُمكن أن يصل إلى 90% لدى جرّاحين ذوي خبرة. وفي بعض الحالات، يُمكن أن يُؤدّي الهبوط المُفاجئ في مُستويات الكورتيزول إلى تفاقم الأعراض، إذ يحتاج جسمكِ إلى بعض الوقت ليعود إلى طبيعته. وفي حال تمّت إزالة الغدد الكظرية، سوف تُضطرين إلى تناول الأدوية على مدى الحياة لاستبدال الكورتيزول وغيره من الهرمونات التي توقّف جسمكِ عن إنتاجها.  

وتكون عادةً أورام الغدّة النخامية والغدّة الكظرية حميدة؛ ولكن قد تكون الأورام التي تظهر في مكان آخر من الجسم سرطانية، وإذا كان الأمر كذلك، قد تحتاجين إلى علاج إضافي، مثل علاج كيميائي وعمليّات جراحيّة مُكثّفة. 

تُعيد شركة نبتة بناء الرعاية الصحية للمرأة. نحن ندعم المرأة في رحلتها الصحية الشخصية من الصحة اليومية إلى التجارب الخاصة بها مثل الخصوبة والحمل وسنّ اليأس.

تواصلوا معنا في حال لديكم أي سؤال حول هذا المقال أو أي جانب من جوانب صحة المرأة. نحن هنا من أجلكم.   

المصدر:

  • Barnett, Richard. “Cushings Syndrome.” The Lancet, vol. 388, no. 10045, 13 Aug. 2016, p. 649., doi:10.1016/s0140-6736(16)31280-6.
  • “Cushing’s Syndrome.” NHS Choices, NHS, www.nhs.uk/conditions/cushings-syndrome/.
  • “Cushing’s Syndrome.” National Institute of Diabetes and Digestive and Kidney Diseases, U.S. Department of Health and Human Services, 1 May 2018, www.niddk.nih.gov/health-information/endocrine-diseases/cushings-syndrome.
  • Sharma, Susmeeta, et al. “Cushing’s Syndrome: Epidemiology and Developments in Disease Management.” Clinical Epidemiology, vol. 7, 17 Apr. 2015, pp. 281–293., doi:10.2147/clep.s44336.
Follow by Email
Twitter
Visit Us
Follow Me
LinkedIn
Share
  • شارك:
    Share