مقالات / الرضاعة الطبيعية…. بين هنا و هناك
بواسطة Sophie Smith في

الرضاعة الطبيعية…. بين هنا و هناك

من الجدير بالذكر انني أكتب هذه المقالة كبريطانية غير مسلمة مقيمة خارج دبي، لأنّ ما سأتحدث عنه من مشاهدات -رغم أنني أكتبها مباشرةً-تحمل بعض العلامات من شخصيةٍ تكونت في مجتمع مغلق يزداد انفتاحه.كما يجب الإشارة إلى حقيقة أنّ الامارات العربية المتحدة تستوعب العديد من العادات الغربية مقارنةً بالبلدان العربية الأخرى في الشرق الأوسط آخذةً بعين الاعتبار حقيقة وجود تسعة مقيمين مقابل كل مواطن اماراتي.

ومع هذا، أشير إلى أنني أم لطفل عمره أربعة أشهريتم ارضاعه طبيعياً, وقد أمضيت معظم العام الماضي في الشرق الأوسط و بعد زواجي بفترة قصيرة انتقلت مع زوجي إلى دبي، وفي الشهر الرابع من حملي كنت أحد المتحدثين في مؤتمر انعقد في الكويت يُعنى بالصحة والتكنولوجيا كما سافرت مع زوجي بغرض السياحة إلى مصر وعمان فإن لحبنا المشترك للثقافة العربية دفعنا للسفر إلى سوريا، المغرب، البحرين، لبنان، الأردن، وتونس.

وتبادر إلى ذهني في مساء اليوم الأخير من أسبوع الرضاعة الطبيعية العالمي لهذا العام العديد من الملاحظات التي يجب ذكرها فيما يتعلق بالرضاعة الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا والفرق بين الرضاعة الطبيعية نظرياً والتطبيق العملي.

تُجمع الآراء حول فكرة أن الرضاعة الطبيعية نظرياً تلقى قبولاً شديداً في جميع أنحاء المنطقة خلال الستة الأشهر الأولى من عمر الطفل وذلك أنّها تزوده بالتغذية المثالية لنموه وتطور النظام المناعي لديه و يتوافق ذلك مع توصيات منظمة الصحة العالمية التي توصي بالرضاعة الطبيعياً حصرياً خلال الستة الأشهر الأولى من عمره. وقد حث النمو الدراماتيكي في السنين الماضية للأمراض المزمنة المتعلقة بالتغذية كالسكري، البدانة وأمراض القلب المنتشرة بين المجتمعات المحلية حكومات الشرق الأوسط في الامارات العربية المتحدة، الكويت ولبنان ترويج حليب الارضاع عوضاً عن المكملات الغذائية البديلة للحليب (الفورمولا). كما أن القرآن الكريم يوصي بإرضاع الأطفال طبيعياً حتى عمر السنتين و لذلك فإن الامارات العربية المتحدة احتفظت بهذه التعاليم المقدسة بموجب قانون عام 2014.

أما الرضاعة الطبيعية عملياً، فهي قصة أخرى. تبين بدراسة حديثة أن أقل من 50% من الإماراتيات يرضعن أولادهن حتى عمر الشهر وتم في هذه الدراسة التغاضي عن النساء الغربيات على افتراض اعتقادهن أن التعاليم الإسلامية تحرم علنية الرضاعة الطبيعية (أمام الرجال) والتي تنص على منع اظهار المرأة لأي جزء من جسدها في المناطق العامة فيما عدا رأسها، يديها، وقدميها كما تستطيع النساء ارضاع أطفالهن أمام غيرهن من النساء مع الحفاظ على الحشمة. لذلك هل تزويد النساء لأطفالهن بالمكملات الغذائية البديلة عن الحليب في الأشهر الستة الأولى بغيةً للسهولة والعملية؟ أم لتجنب التعرض للإساءة والمضايقة في العلن؟

في الحقيقة، إنّ عدم تلقي المرأة المرضعة للدعم اللازم بعد الولادة وفشل أصحاب العمل في ملائمة مكان العمل مع احتياجات الأمهات المرضعات هو سبب عدم استمرار النساء ارضاع أطفالهن بعد عمر الشهر. من أهم أسباب ابتعاد الأمهات عن الرضاعة الطبيعية في وقت مبكر بعد الولادة هي عدم الملائمة والراحة في أماكن الدراسة والعمل والرغبة في حمل لاحق، ولم تؤثر العوامل الديموغرافية الاجتماعية مثل سن المرأة عند الزواج أو الولادة، عدد أفراد العائلة، أو المساعدة التي تتلقاها المرأة في الأعمال المنزلية في هذه النتائج.

ولمنع التسبب بأي إساءة علنية، قمت بإرضاع طفلي في مواقف السيارات التحتية، الحمامات العامة والزوايا الخفيّة من المقاهي المهجورة. لقد اخترت تقصي السرية في هذه العملية دون اجبار من أي طرف ثالث مستخدمةً غطاء الرضاعة أثناء عملية الرضاعة مع مراعاة عدم اعتراض حرية حركة جميع من حولي في المراكز التجارية (المولات)، المطاعم، وفي الشاطئ. لم تكن حرية اختيار المكان أمراً ترفياً في منتصف رحلة إحدى الطائرات المكتظة المتجهة من برشلونة إلى دبي وخاصةً وقد وُضعت جميع دورات المياه خارج الخدمة، لقد كان هذا الموقف الوحيد الذي تعرضت فيه لاعتراض حقيقي لقيامي بعملية الرضاعة الطبيعية.

ما بدا لي واضحاً من تجربتي عدم حاجة المنطقة العربية (الشرق الأوسط وشمال افريقيا) إلى حملات لحماية حق المرأة في قيامها بعملية الرضاعة الطبيعية علنا، كما أُشير إليه في بعض وسائل الاعلام الغربية. ومن الجلي أن هذه المسألة لا تسبب أي إشكال للنساء المحليات مع ضرورة احترام النساء المغتربات مثلي للعادات والتقاليد الثقافية المُتَبَعة. لذلك يجب أن تهتم الحكومات العربية بالتركيز على الفوائد الطبية للرضاعة الطبيعية على الأمهات والأطفال، وتعيد النظر في الدعم المقدم للنساء بعد ولادتهن مثل مدة إجازة الأمومة (تكون إجازة الأمومة في دبي 55 يوم منها 45 يوم مدفوعة)، تقديم التعاليم والمعلومات المفيدة عن طريق حملات تستهدف النساء بعد الولادة، القيام بزيارات منزلية بعد الولادة، وضرورة تزويد الأماكن العامة بما فيها أماكن العمل، بتسهيلات لعملية الرضاعة الطبيعية.